أديس أبابا : 10- أبريل- 2026
السعودية اليوم هي مركز الثقل الحقيقي في المنطقة؛ دولة تملك القرار، والتأثير، والقدرة على إعادة رسم موازين القوى إقليميًا ودوليًا. الفكرة أن الرياض لم تعد لاعبًا تقليديًا، بل أصبحت صانعة للمعادلات.
في المقابل، تحاول مصر الاستمرار في تصدير صورة قديمة عن نفسها كقائدة للمنطقة والشرق الأوسط، وهو واقع لم يعد يُقنع أحدًا. مصر التي طالما قدّمت نفسها كقائدة، أثبتت في كثير من اللحظات أنها تتحرك بردّات فعل شكلية، وخطاب مزدوج لا يعكس قوة حقيقية بقدر ما يكشف ارتباكًا استراتيجيًا. في الأزمات، تظهر بوجه فرعوني، متعالٍ وشمات، وفي الكواليس تعود لطلب الدعم، وهذه معادلة لم تعد تمر على أحد.
وما يحدث اليوم من دول إفريقيا ليس مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لسياسة قائمة على استهلاك الدور بدل صناعته. إفريقيا لم تعد ترى في مصر شريكًا موثوقًا، بل طرفًا ينظر من أعلى دون أن يملك أدوات التأثير الفعلي، وهو ما يفسر تراجعها الواضح في العمق الإفريقي. وكذلك نفس السيناريو التحركات الدبلوماسية المصرية تجاه الخليج تُقرأ باعتبارها خطوات تهدئة ظرفية للشارع العربي فقط.
والمشكلة ليست فقط في تراجع الدور المصري، بل في الأسلوب ذاته؛ دولة تطلب الدعم من السعودية والخليج في أوقاتها الصعبة، لكنها في المقابل تتبنى خطابًا متعاليًا يوحي بأنها الطرف الأقوى. هذا التناقض لم يعد مقبولًا، لا عربيًا ولا إفريقيًا، بل أصبح أحد أسباب العزلة التدريجية التي تعيشها مصر في محيطها.
وهنا يبرز الدور السعودي الذي يجب أن يأخذ مكانه. العزلة التي تصنعها مصر في إفريقيا والشرق الأوسط بالتعالي والكبرياء ليست خسارة، بل فرصة استراتيجية للسعودية لاستعادة دورها الريادي. وهي بالفعل تملك من الأدوات الاقتصادية والسياسية ما يؤهلها لبناء شراكات قوية مع إثيوبيا وبقية الدول الإفريقية واستعادة ريادتها الإقليمية، على أساس المصالح المشتركة والتنمية الحقيقية، بعيدًا عن العقلية القديمة التي لم تعد صالحة لهذا العصر.
السعودية تُعد لاعبًا أساسيًا في الجيوسياسة الإقليمية، وتمتد قدرتها على التأثير إلى إفريقيا والعالم، ما يجعلها طرفًا محوريًا في أي إعادة تشكيل لموازين القوى. وبالتأكيد ريادة السعودية في الإقليم لا تعني تقليلًا من دور الدول العربية ألاخرى، بل تعكس حقيقة أن غياب الدور السعودي الفاعل سيترك فراغًا مؤثرًا في توازن المنظومة العربية ككل.
اللحظة الحالية تفرض على السعودية أن تتقدم بثقة لاستعادة موقعها الطبيعي في قيادة المشهد الإقليمي بدل تركه لخطابات لم تعد تعكس واقع القوة. والطريق واضح شراكات استراتيجية عميقة مع إفريقيا والمنطقة، وصياغة نفوذ قائم على المصالح الحقيقية لا الشعارات. وكما جسّد تركي آل الشيخ نموذجًا واضحًا لفرض الحضور السعودي عبر أدوات القوة الناعمة في الثقافة والترفيه، فإن المرحلة القادمة تتطلب ترجمة هذا النموذج إلى تحرك سياسي واستراتيجي أوسع، يرسخ قيادة سعودية فعلية لا تقبل الفراغ.
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*