أديس أبابا : 26- فبراير- 2026
" كما فعل تركي آل الشيخ في مجالات الفن والثقافة والترفيه بـ مصر، ينبغي على القيادة السياسية أن تفعل الشيء نفسه. "
في التحولات الكبرى، لا مكان للعواطف، بل تحكم المصالح وحدها. ومن يتابع المشهد الإقليمي اليوم يدرك أن ما يجري بين إثيوبيا ومصر ليس مجرد تفصيل دبلوماسي عابر، بل محطة كاشفة لطبيعة موازين القوى وحسابات الدول.
خلال سنوات طويلة، قدمت مصر نفسها بوصفها الطرف الأكثر تشدداً في ملفات إثيوبيا، خاصة بعد قضية سد النهضة. وسعت القيادة المصرية إلى حشد دعم عربي وإقليمي لممارسة ضغوط سياسية، عسكرية واقتصادية على أديس أبابا.
لكن السياسة، كما تعلمنا التجارب، ليست خطابات بل صفقات. فبعد سنوات من التصعيد والخطاب الحاد تجاه إثيوبيا، يظهر اليوم استعداد مصري لدعم حصولها على منفذ بحري مقابل ترتيبات تتصل بمياه النيل. التحول ليس بسيطًا، بل يعكس إعادة تموضع استراتيجية تؤكد أن الدولة عندما تتعلق مصالحها، تعيد تعريف تحالفاتها ومواقفها.
الدول تتحرك وفق ميزان الربح والخسارة، ومصر مثل غيرها تعيد حساباتها عندما ترى أن مصلحتها المباشرة تقتضي مسارًا مختلفًا عن خطابها السابق. والأمر ذاته يمكن ملاحظته في علاقة القاهرة مع إسراء بيل. فبينما ظلّ الخطاب الشعبي والسياسي لعقود يقوم على مسافة واضحة، شهدنا صفقات طاقة ضخمة بين الجانبين، أبرزها اتفاقيات استيراد وتسييل الغاز التي قُدرت بعشرات المليارات من الدولارات. هنا أيضًا تتقدم البراغماتية الاقتصادية على الاعتبارات الأيديولوجية.
الرسالة الواضحة بالنسبة إلى السعودية وبقية الدول العربية هي أن السياسة تُدار بميزان القوة والمصلحة. مصر التي حشدت حلفاءها سابقًا ضد الطموح الإثيوبي، تعود اليوم لتتعامل ببراغماتية بحتة. مواقف القاهرة تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن من أجل مصالحها الخاصة مستعدة أن تبيع الجميع، وهم أصلاً سبب الأزمة الأولى في ملف مياه النيل والتحشيد ضد إثيوبيا في منفذ البحر.
لذلك، على السعودية أن تتحرك فورًا وبحسم، قبل أن تضيع الفرصة الذهبية التي قد لا تتكرر. السعودية هي الأجدر بقيادة الشرق الأوسط والعالم العربي، ويجب أن تبادر بصياغة تحالف استراتيجي مباشر مع إفريقيا والقائد الأفريقي رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد، لتحديد قواعد اللعبة بما يخدم المصالح المشتركة. التأخير يعني فقدان المبادرة وتحويل المنطقة إلى ملعب لمصالح الآخرين، وليس لمصالح السعودية والعرب أنفسهم.
السعودية تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا غير مسبوق، وتمسك بأدوات تأثير إقليمية ودولية واسعة. إن لم تتحرك الآن لقيادة مشروع عربي واضح المصالح والاتجاه، فقد تضيع لحظة تاريخية نادرة. القيادة لا تنتظر التوافق، بل تُفرض بوضوح الرؤية وصلابة القرار.
أما مسألة وصول إثيوبيا إلى البحر، فسواء رضيت القاهرة أم لم ترضَ، فإن أديس أبابا تتحرك بثبات نحو هدفها. من يقرأ التحولات جيدًا يدرك أن المرحلة القادمة ستكون لمن يمتلك الجرأة على اتخاذ القرار قبل فوات الأوان. قوة تُواجه بقوة، وتأثير يُبنى بتأثير أكبر.
#الى_الامام_اثيوبيا
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*