أديس أبابا : 17- نوفمبر- 2025
فرفرة المزبوح تعبير يُستخدم لوصف التصرفات الفوضوية وردود الفعل العنيفة بعد خسارة موقف أو فقدان السيطرة. يشير إلى حالة الارتباك الشديد، حيث يتحرك الشخص أو الجماعة ويتصرفون بطريقة عشوائية، دون خطة واضحة، تمامًا كما يتحرك الحيوان المذبوح فجأة قبل موته.
وكذلك لم تعد التحركات المصرية الأخيرة تجاه إثيوبيا سوى فرفرة مذبوحٍ أدرك أن معركة سدّ النهضة التي راهن عليها سنوات طويلة قد حُسمت، وأن المليارات التي صُرفت في محاولات إفشاله انتهت إلى هزيمة سياسية ودبلوماسية واستراتيجية واضحة.
فعلى مدى أكثر من عقد، اعتمدت القاهرة على سلسلة خطوات سرّية وعلنية لإيقاف مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير، بدءًا من تمويل وتدريب بعض أطراف المعارضة الإثيوبية، مرورًا بمحاولات إشعال النزاعات في الفشقة بين إثيوبيا والسودان لخلق حالة عداء دائم، وليس انتهاءً بعمليات استقطاب مجموعات مسلحة ومرتزقة بهدف تخريب المشروع أو عرقلة بنائه. ولكن ومع ذلك؛ فشلت كل هذه الأدوات في إيقاف عجلة البناء أو كسر الإرادة الإثيوبية.
كما حاولت مصر التمدد في جنوب السودان عبر النفوذ الأمني للتأثير في قراراته السيادية، لكنها وجدت نفسها أمام دولة تدرك مصالحها وتوازناتها الخاصة والتي بدورها وقعت جنوب السودان اتفاقية حوض النيل، التي أعطت بها الكرت الأحمر لمصر في مواجهة السياسات القديمة، والكرت الأخضر لإثيوبيا وأفريقيا كخطوة تاريخية لتعزيز التعاون والتنمية العادلة في حوض النيل. ثم اتجهت إلى جيبوتي تحت غطاء الاستثمار وفشلت، وإلى الصومال، حيث أرسلت مصر قوات عسكرية بغير المعتادة بغطاء حفظ السلام، في محاولة لإيجاد موطئ قدم قرب الحدود الإثيوبية، إلا أن التحرك أدى إلى زيادة التوترات وتعقيد المشهد الأمني في الصومال.
وتواصلت التحركات عبر التعاون العسكري مع إريتريا واستغلال خلافاتها القديمة مع أديس أبابا، إضافة إلى تسليح مجموعات معارضة إثيوبية بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي.
ومع ذلك، تلاشت وتتلاشى جميع هذه المحاولات واحدة تلو الأخرى، وأثبتت الأحداث أن إثيوبيا أكثر صلابة مما توقعت القاهرة. فالسد اكتمل، والملء اكتمل، والمشروع أصبح حقيقة واقعة لا يمكن لأي قوة إقليمية تغييرها.
واليوم، ومع انتقال إثيوبيا إلى مرحلة جديدة من رؤيتها الاستراتيجية—مرحلة البحث عن منفذ بحري يضمن أمنها الاقتصادي والجيوسياسي—بدأت القاهرة تتحرك بعشوائية سياسية أشبه بآخر حركات لاعب خاسر، بعدما أدركت أن ميزان القوة في القرن الأفريقي لم يعد كما كان.
إن فرفرة المذبوح المصرية لن توقف نهضة إثيوبيا، ولن تعرقل مشروعها التنموي، ولن تغيّر حقائق الجغرافيا والواقع الجديد في المنطقة. فإثيوبيا اليوم قوة صاعدة، تمتلك الإرادة، والقدرة، والرؤية، بينما لا تزال القاهرة تتعامل بعقلية الماضي.
والتاريخ لا يعود إلى الوراء…
ولكن البعض لا يزال يحاول — في آخر محاولاته — أن يسبح ضد تيار الواقع.
#لا_تراجع
#البحر_الاحمر
#الى_الامام_اثيوبيا
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*