مصر التي دمرت السودان بعتبارها "حديقتها الخلفية" لتقوية واسترجاع نفوذها. (2)
أديس أبابا : 2- يناير- 2025
تُعَدُّ العلاقات بين مصر والسودان من أعقد العلاقات في تاريخ المنطقة "العلاقات التوكسيك"، حيث شهدت فترات من التعاون والتوتر على مر العصور. منذ استقلال السودان في عام 1956، ومع مرور السنوات، أصبح من الواضح أن مصر تسعى دائمًا للهيمنة على خيرات وثروات السودان، مما يؤثر على تطوره ويعوق تقدمه في العديد من المجالات الحيوية.
يذكر التاريخ أن مصر، طوال عقود من الزمن، كانت تقف حائلًا أمام التنمية في السودان. لم يكن الأمر مقتصرًا على التأثيرات السياسية فحسب، بل امتد ليشمل التأثيرات الاقتصادية والبيئية أيضًا. في العديد من الأحيان، كانت مصر تتخذ مواقف تعرقل تطور السودان، سواء في مجال الزراعة أو في مجال مشاريع المياه، محاولًا إعاقة أي تحرك سوداني يهدف إلى تحقيق الاستقلالية في إدارة موارده الطبيعية.
في عام 1960، أُنشئ السد العالي في أسوان لتوليد الكهرباء، لم يكن بناء السد العالي في مصر مجرد مشروع تنموي، بل كان له آثار كارثية على السودان، مما أدى إلى غرق 27 قرية سودانية، وتدمير أكثر من مليون شجرة نخيل، وتضرر عشرات الآلاف من المواطنين السودانيين لم تهتم مصر كثيرا لهذ الدمار ولكن أستمرت في ذلك وفي عام 1995، احتلت مصر مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد، في خطوة غير قانونية، وهي أراض سودانية معترف بها بموجب الوثائق الدولية. ورغم أن هذه الأراضي تُعتبر جزءًا لا يتجزأ من الأراضي السودانية، فإن مصر تواصل احتلالها مستندة إلى قوتها العسكرية والسياسية وخلاياها في السودان.
ومن بين المواقف المؤسفة التي تظهر استمرار مصر في التأثير السلبي على السودان، هو تصويتها في الماضي لصالح إبقاء العقوبات المفروضة على السودان، مما أثر بشكل كبير على الاقتصاد السوداني، وزاد من صعوبة الأوضاع الداخلية. هذه الخطوة تُظهر بوضوح المواقف المتناقضة لمصر، التي تدعي الروابط التاريخية مع السودان، وهي في الحقيقة روابط استعمارية تسعى دائمًا للهيمنة.
- التبعية الاقتصادية
ورغم ذلك، تستمر مصر في استنزاف الموارد السودانية بطرق مباشرة وغير مباشرة، حيث تُعاني السودان من ضعف الرقابة على الحدود والأسواق، مما يسهل عمليات التهريب والاستغلال. حيث تعتبر مصر بحسب تقارير حديثة ورغم حرب السودان الى انها أكبر دولة في إفريقيا يتم تهريب الذهب السوداني إليها بكميات كبيرة جدا ،وإلى جانب الذهب السوداني، تُستغل الثروة الحيوانية والزراعية السودانية بشكل كبير، حيث يتم تصدير الماشية والمحاصيل المختلفة بكميات ضخمة وأسعار زهيدة دون استفادة حقيقية للسودان من عائداتها.
وذلك يعكس السبب الرئيسي وراء استهداف وتخريب التطور الصناعي في السودان عبر استهداف المناطق الصناعية الكبرى، مثل المنطقة الصناعية بأمدرمان، وتدمير المصانع الكبرى الذي حصل عبر الطيران الحربي في الأشهر الأولى من حرب السودان وذلك بالإضافة الى العديد من المصانع العملاقة التي تم تدميرها في مختلف أنحاء البلاد.
هذه السياسات الممنهجة تهدف إلى إبقاء السودان في دائرة تصدير المواد الخام فقط، دون الاستفادة من القيمة المضافة عبر التصنيع المحلي. وبدا واضحًا ان التطور الصناعي في السودان يشكل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد المصري الذي يعتمد بشكل أساسي على المواد السودانية الخام بأسعار زهيدة. إذا استطاع السودان استخدام موارده الطبيعية لتطوير صناعته المحلية، فسيقل اعتماده على التصدير الخام، مما سيؤثر على مصر التي تبني اقتصادها على استيراد المواد الأولية بأسعار منخفضة وإعادة تصديرها كمنتجات وصناعة مصرية بأسعار مرتفعة. وهذا الوضع يساهم في تعزيز التبعية الاقتصادية ويضعف قدرة السودان على تحقيق التنمية المستدامة، خاصة في ظل الأزمات السياسية والصراعات الداخلية التي تُثقل كاهل البلاد.
وفي الختام، تبقى العلاقة بين السودان ومصر علاقة معقدة "العلاقة التوكسيك". حيث تعتبر مصر ان السودان "حديقة خلفية" لها، حيث ركزت سياساتها على استغلال موارده الاقتصادية وضمان تدفق مياه النيل، وهو ما يعكس سياسة تاريخية تتسم بالتدخل المباشر وغير المباشر في الشؤون السودانية. ورغم استقلال السودان، استمرت هذه النظرة حاضرة في العقلية السياسية المصرية، مما جعل السودان دائمًا محور اهتمام مصري لضمان مصالحها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، يبرز دور شخصيات سودانية بارزة مثل الدكتور معاذ أحمد تانجو، الرئيس السابق للجنة الوطنية للحدود السودانية الذي تم طرده واستبداله من السلطات بإستخدام النفوذ المصري في السودان، والذي لطالما أكد على أحقية السودان في مناطق حلايب وشلاتين وأبورماد، معتبرًا أن هذه المناطق جزء لا يتجزأ من السيادة السودانية دون اي خوف. ومع ذلك، فإن مثل هذه الأصوات تُواجه أحيانًا بالتهميش، ويتم وصف أصحابها بأنهم "مخربون" أو "أعداء للوطن"، بحجة أنهم يعكرون صفو العلاقات السودانية المصرية.
ويتم استبدال تلك الأصوات الوطنية بشخصيات مثل وزير الخارجية السوداني الجديد، الذي لطالما ظهر في القنوات التلفزيونية المختلفة مدافعًا عن مصر وسياساتها أكثر من دفاعه عن السودان نفسه. والذي في أول أيام توليه المنصب، أعلن استعداد السودان لبدء حرب ضد إثيوبيا في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن سد النهضة، في خطوة تهدف إلى إرضاء المصريين، رغم الظروف المدمرة التي يمر بها السودان والتي تستوجب التركيز على معالجة الأزمات الداخلية بدلاً من الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.
لكن هذه المواقف الوطنية التي تتزايد من الكثير من السودانيين من وقت لآخر تعكس وعيًا متزايدًا بأهمية استعادة الحقوق السودانية، وتؤكد على ضرورة إدارة العلاقات مع مصر بطريقة تحفظ مصالح السودان وسيادته، بعيدًا عن الإملاءات والتدخلات الخارجية.
يتابع...
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*